محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

208

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

قال الإمام أبو القاسم القشيري ، رضي اللّه عنه : « شرّ الناس من يبتهل إلى اللّه تعالى عند هجوم البلاء بخلوص الدعاء ، وشدّة التضرّع والبكاء ، فإذا زالت شكايته ، ورفعت عنه آفته ، ضيّع الوفاء ، ونسي البلاء وقابل الرفد بنقص العهد ، وأبدل العقد برفض الودّ ، أولئك الذين أبعدهم اللّه في سابق الحكم وخرطهم في سلك أهل الرّدّ ، وقد قيل : بلاء يلجئك إلى الانتصاب بين يدي معبودك خير من عطاء ينسيك إيّاه ويقصيك عنه . كيف يكون طلبك اللاحق سببا في عطائه السابق . هذا دليل على نفي السببية المذكورة ؛ لأن ما طلبه العبد أمر سابق في الأزل تقديره ، وطلبه أمر لاحق فيما لا يزال ، وكيف يكون اللاحق سببا في وجود السابق ، وهل السبب أبدا إلّا متقدّم على المسبب . جلّ حكم الأزل أن ينضاف إلى العلل هذا دليل آخر على ما ذكره ، وهو : أن حصول ما طلبه الداعي حكم من اللّه تعالى في الأزل ، فلا يكون سببه الدعاء والسؤال ، لأن أحكام اللّه تعالى تجل عن أن تنضاف إلى علة أو سبب من قبل أنّ له الإرادة المطلقة والمشيئة النافذة ، فصنعه علة لكل شيء ، ولا علة لصنعه ، كما قال العارفون المحققون . عنايته فيك ، لا لشيء منك ، وأين كنت حين واجهتك عنايته وقابلتك رعايته لم يكن في أزله إخلاص أعمال ، ولا وجود أحوال ، بل لم يكن هناك إلا محض الإفضال وعظيم النوال . عناية اللّه تعالى بك في الأزل ، حين لم تكن حين لا حين غير معللة بشيء كائن منك من إخلاص أعمال أو وجود أحوال تتوسّل بجميع ذلك إليه ، وأين كنت إذ ذاك وأنت عدم محض ، بل لم يكن هناك إلّا محض كرمه وإفضاله وعظيم إحسانه ونواله لا غير ، قال الواسطي : « أقسام قسّمت ونعوت وأحكام أجريت كيف تستجلب بحركات أو تنال بسعايات ؟ » . علم أن العباد يتشوفون إلى ظهور سر العناية فقال : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ * . وعلم أنه لو خلاهم وذلك لتركوا العمل اعتمادا على الأزل فقال : إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ . ظهور سرّ العناية التي مقتضاها الرحمة هو تخصيص المشيئة في قوله عزّ من قائل : يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشاءُ * [ البقرة : 105 ] ، ولا علّة له من العبد والإحسان المنسوب